الأربعاء 11 فبراير 2026 04:56 مـ 23 شعبان 1447 هـ
بوابة البصمة
×

لماذا يختفي الحرفي التونسي عن أنظار العالم؟

الأحد 21 سبتمبر 2025 08:35 صـ 28 ربيع أول 1447 هـ
لماذا يختفي الحرفي التونسي عن أنظار العالم؟

الحرفي التونسي يحمل تراثاً غنياً وخبرة طويلة في صناعات مثل الفخار والنسيج والنقش على الخشب والمعادن.

رغم تميز المنتجات وتنوعها، يظل وجود الحرفيين على الساحة العالمية محدوداً جداً مقارنة بدول أخرى.

هذه الصناعة تواجه عراقيل حقيقية، منها ضعف التسويق الرقمي وصعوبة الوصول للأسواق الخارجية، إضافة إلى تحديات إدارية ومالية متكررة.

في هذا المقال، سنكشف الأسباب التي أدت لتراجع حضور الحرفي التونسي عالمياً، مع استعراض أبرز الحلول لإعادة الاعتبار لهذا القطاع الحيوي الذي يمثل جزءاً أصيلاً من الهوية الوطنية.

غياب الترويج الرقمي وأثره على انتشار الحرفي التونسي

منذ سنوات، أصبح التسويق الرقمي الوسيلة الأكثر فاعلية للوصول إلى الأسواق العالمية وتوسيع قاعدة العملاء.

في المقابل، لا يزال عدد كبير من الحرفيين التونسيين بعيدين عن عالم المنصات الرقمية.

الكثير منهم يركز فقط على البيع المحلي أو الاعتماد على الزبائن التقليديين، دون الاستفادة من إمكانيات الإنترنت في عرض منتجاتهم خارج الحدود.

هذا الغياب يجعل المنتجات الحرفية التونسية شبه مجهولة لدى المستهلكين الأجانب، رغم الجودة والتنوع الفريد الذي تتمتع به.

عندما أبحث عن متجر إلكتروني تونسي متخصص في الحرف، أجد الخيارات قليلة جداً مقارنة بدول مثل المغرب أو تركيا حيث تتوفر المنصات الرقمية ويعرفها الجميع عالمياً.

كما أن الصور الاحترافية للمنتجات ووصفها بلغات متعددة نادراً ما نجدها في مواقع تونسية بسيطة التصميم وضعيفة الحضور على الشبكات الاجتماعية.

التسويق الرقمي لا يقتصر فقط على إنشاء صفحة فيسبوك، بل يتطلب استراتيجية واضحة تشمل المتاجر الإلكترونية والتواصل مع مؤثرين وشركات شحن عالمية.

من الأمثلة الناجحة في بلدان أخرى: الحرفيون الذين يبيعون عبر منصات مثل Etsy أو Amazon Handmade ويتمكنون من الوصول لعملاء في أوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية.

لكن في تونس، تظل هذه التجارب محدودة جداً لأسباب تتعلق بنقص الوعي وقلة الدورات التدريبية المتخصصة في التجارة الإلكترونية والتسويق الدولي.

للمهتمين بفرص تطوير الأعمال رقمياً ومتابعة أخبار القطاع الرقمي في تونس، يمكن زيارة كازينو اون لاين تونس.

هناك فرصة كبيرة للحرفي التونسي إذا تم الاستثمار بشكل جدي في بناء وجود رقمي احترافي يعكس جودة التراث الوطني وينافس دولياً.

تحديات تصدير الحرف التونسية والعوائق الإدارية أمام الحرفيين

تصدير المنتجات الحرفية التونسية لم يعد مجرد رغبة، بل ضرورة لضمان استمرارية هذا القطاع الحيوي.

رغم المهارات الفريدة التي يتمتع بها الحرفيون، إلا أن طريق الوصول إلى الأسواق العالمية مليء بالعقبات الإدارية واللوجستية.

الإجراءات المعقدة وغياب الدعم الميداني يضعان الحرفي أمام جدار من العراقيل يصعب تجاوزه دون توجيه أو موارد كافية.

قلة الاطلاع على متطلبات الأسواق الخارجية تزيد الطين بلة وتجعل الكثير من الحرفيين يكتفون بالسوق المحلي، حتى وإن كانت منتجاتهم تستحق حضوراً عالمياً.

البيروقراطية والإجراءات الجمركية

واحدة من أكبر المشاكل التي يصطدم بها الحرفيون في تونس هي الروتين الإداري وكثرة الوثائق المطلوبة لتصدير أبسط المنتجات.

كل مرحلة تتطلب أوراقاً وشهادات وتصاريح تختلف بين جهة وأخرى، وهو أمر مرهق لحِرَفي ليست لديه خبرة سابقة في التعامل مع الدوائر الرسمية أو شركات الشحن الدولية.

حتى لو تمكن البعض من تجهيز المستندات، غالباً ما يواجهون تأخيراً بسبب الإجراءات الجمركية غير الواضحة أو تغير القوانين بشكل مفاجئ.

هذا التعقيد يدفع الكثيرين للعزوف عن فكرة التصدير تماماً، مع أن منتجاتهم قادرة على المنافسة في الخارج لو كانت الظروف أكثر مرونة وشفافية.

غياب منصات التصدير والدعم الحكومي

التحدي لا يقف عند حدود الإجراءات فقط؛ فهناك نقص واضح في المنصات الحكومية أو الخاصة التي تساند الحرفي في رحلة تصديره للمنتجات التقليدية.

معظم المبادرات تظل موسمية أو محدودة التأثير ولا توفر حلولاً عملية للحرفيين الراغبين في ولوج أسواق جديدة بشكل منتظم ومستدام.

الدعم الحكومي يبقى خجولاً مقارنة بما يحتاجه القطاع فعلياً: منصات عرض إلكترونية موثوقة، شراكات مع وكلاء بالخارج، ومرافقة مستمرة لفهم شروط الأسواق الدولية والتفاوض مع المستوردين.

من دون هذه البنية الأساسية سيبقى الحرفي التونسي رهينة السوق المحلي مهما بلغت جودة عمله أو أصالته الثقافية.

كيف تؤثر العولمة وتغير الذوق العالمي على استمرار الحرف التقليدية التونسية

لم يعد السوق العالمي اليوم كما كان قبل عشرين عاماً. المنتجات الحرفية التونسية وجدت نفسها أمام منافسة شرسة، ليس فقط من المنتجات الصناعية بل من تغيّر ذوق المستهلك حول العالم.

العولمة غيّرت قواعد اللعبة. المستهلكون يبحثون غالباً عن منتجات عصرية وعملية تلبي حاجاتهم اليومية بسرعة وسهولة. هذا التحول خلق ضغطاً إضافياً على الحرفيين التونسيين لتجديد منتجاتهم دون فقدان روح الأصالة التي تميزهم.

هناك من يرى أن الصعوبة الأكبر ليست في جودة المنتج بل في جذب انتباه شريحة واسعة اعتادت التغيير السريع والتنوع الكبير، خصوصاً مع تزايد منصات التسوق العالمية التي تعرض كل شيء بضغطة زر.

منافسة المنتجات الصناعية واليدوية المستوردة

المنتجات الحرفية المحلية تواجه منافسة قوية جداً من سلع مستوردة أرخص ثمناً ومتوفرة بأعداد كبيرة وتصاميم متنوعة. هذه المنتجات غالباً ما تجذب الزبون الذي يهتم بالسعر أولاً ولا يلتفت كثيراً للقيمة الثقافية أو اليدوية.

حتى في الأسواق السياحية، تجد أحياناً منتجات شبيهة مصنوعة خارج تونس لكنها تُباع على أنها تقليدية وبأسعار منخفضة جداً. هذا الواقع يقلل من فرص تسويق الحرف التونسية ويضغط على الحرفي ليخفض الأسعار أو يبحث عن منافذ بيع جديدة.

تغير أذواق المستهلكين الشباب

الجيل الجديد في تونس والعالم يميل بشكل واضح إلى اقتناء منتجات عملية، خفيفة الوزن وسهلة الاستخدام أو النقل. التصاميم الحديثة وألوان الباستيل وحتى الطابع المينيمالي تلقى رواجاً أكبر بكثير من القطع التقليدية المزخرفة أو الثقيلة.

في إحدى الورش بسيدي بوسعيد لاحظت كيف يتردد شباب كثيرون أمام شراء صحن فخار تقليدي مقارنة باختيار كوب مزخرف بتصميم حديث. يبدو أن التحدي اليوم يكمن في مواكبة رغبات هذه الشريحة دون فقدان الهوية الأصيلة للمنتج التقليدي.

الحفاظ على الأصالة مع التجديد

رغم كل هذه المتغيرات، هناك حرفيون تونسيون لم يرضخوا للتيار بل حاولوا الدمج بين التراث والحداثة. بعضهم بدأ بإدخال تصاميم عصرية على قطع الخشب أو النحاس القديمة، مع المحافظة على الرموز والزخارف التقليدية.

هذا النوع من الابتكار جعل بعض المنتجات تجد طريقها لأسواق أوروبا والخليج، حيث يقدّر الزبون الجمع بين الجمال الكلاسيكي وسهولة الاستخدام العصرية. تجربة مثل ورشات توزر أو قفصة تظهر أن مفتاح البقاء هو التجديد الذكي لا التقليد الأعمى للموضة العالمية.

التعليم والتكوين حجر الأساس لتطوير الحرفيين في تونس

من الواضح أن التعليم والتكوين المهني يلعبان دوراً محورياً في دعم قطاع الحرف اليدوية التونسي.

في تجاربي مع حرفيين من ولايات مثل قفصة ونابل، لاحظت أن أغلبهم يكتسبون مهاراتهم بشكل تقليدي عبر العائلة، دون استفادة كافية من برامج تدريبية حديثة أو مناهج متطورة.

هذا النقص يؤثر على قدرتهم في تبنّي تقنيات وأساليب جديدة تفتح لهم أبواب أسواق أوسع.

حين تتوفر برامج تكوين موجهة وورش عمل متخصصة، يصبح انتقال الخبرات للأجيال الشابة أسرع وأكثر فاعلية، وتزداد فرص الابتكار والتجديد في المنتجات الحرفية.

نقص برامج التدريب المتخصصة

عدد البرامج التدريبية الموجهة للحرفيين التونسيين ما زال محدوداً جداً مقارنة بحجم القطاع وتنوعه.

معظم الورش تركز على المهارات الأساسية فقط، ولا تعطي مساحة كافية لتعلم التصميم الحديث أو التسويق الرقمي أو فهم متطلبات الزبون الأجنبي.

هذا القصور يجعل الكثير من الحرفيين عاجزين عن المنافسة خارجياً ويصعب عليهم مواكبة تغيرات الأسواق العالمية السريعة.

سمعت مراراً من حرفيي المدينة العتيقة أن مجرد دورة واحدة حول التعامل مع العملاء الأجانب كان لها أثر ملموس على مردودهم السنوي.

أهمية الشراكات مع المعاهد الدولية

الشراكة مع معاهد وجمعيات دولية تمنح الحرفيين التونسيين فرصة لاكتساب خبرات وتقنيات غير متاحة محلياً بسهولة.

هذه الشراكات تساعدهم في فهم اتجاهات الموضة العالمية واستخدام خامات جديدة وتحسين جودة المنتجات النهائية بما يناسب ذوق المستهلك العصري.

في إحدى المبادرات المشتركة بين تونس وإيطاليا سنة 2023، لاحظت كيف عاد بعض الحرفيين بمستوى جديد كلياً في التصنيع والدعاية الإلكترونية بعد زيارات ميدانية قصيرة بالخارج.

نصيحة عملية: ربط المعاهد الوطنية باتفاقيات تدريب مستمرة مع مؤسسات أجنبية يعطي دفعة قوية للقطاع ويزيد ثقة الشباب باختيار المهن الحرفية كمستقبل واعد.

آفاق جديدة للحرفي التونسي رغم التحديات

رغم الصعوبات التي يواجهها الحرفي التونسي في التسويق والتصدير، فإن الفرصة لا تزال قائمة لإعادة الحياة إلى هذا القطاع الحيوي.

الاستثمار في الترويج الرقمي يمكن أن يمنح الحرفيين نافذة على الأسواق العالمية، خاصة مع تزايد الاهتمام بالمنتجات الأصيلة والمصنوعة يدويًا.

تسهيل الإجراءات الإدارية وتوفير برامج تعليمية متخصصة سيساعد في نقل الخبرات للأجيال الجديدة ويشجع الابتكار.

الحفاظ على الحرف التقليدية هو مسؤولية كل الأطراف: الدولة، المؤسسات، والأفراد. بذلك نضمن استمرار جزء مهم من هوية تونس في العالم.