الأحد 24 أكتوبر 2021 11:25 مـ 18 ربيع أول 1443هـ
مقالات

ذكريات من دفتر الإنتصار

البصمة

فى مثل هذا الوقت منذ ثمانى و اربعون عاماً كانت قواتنا المسلحة تسطر ابهى و انصع صفحاتها فى التاريخ الذى سيظل يحتفظ ببطولات و انتصارات غاية فى الروعة لابناء مصر الابطال و هم يطاردون عدواً مغتصباً احتل ارضيهم و اراضى اشقئهم فى فلسطين و الاردن و سوريا.
وكانت هذه هى المواجهة الرابعة بين الجيش المصرى و عصابات او ملشيات الكيان الصهيونى التى كانوا يطلقون عليها القاباً كثيرة كالجيش الذى لا يقهر و الجيش ذى الزراع الطويلة الطائلة... و راحت آلة الاعلام المعادية تكيل لنا فى مثل هذه الامور التى تصب فى اذاننا صباً حتى كادت ان تفقد البعض الثقة فى استرداد الارض و الكرامة.
و بعد ظهر هذا اليوم البعيد القابع فى مركز الذاكرة عبرت قواتنا المسلحة قناة السويس و هاجمت بقوة و ضراوة خط بارليف الحصين و اسقطته فى قبضتها القوية فى سويعات معدودة, وعلى الجانب الاخر انسابت القوات السورية فى فى مرتفعات الجولان متخطية الخندق الصناعى و التحصينات الحصينة التى أقامها الكيان الصهيونى.
و خلال ساعات ستة انهارت القوى الصهيونية التى ظلت تمجد فى نفسها و قدراتها وقوتها و انها لا تقهر و لاتوجد قوى عربية قادرة على منازلتها و الحاق الهزيمة بها. ولكن للتاريخ لقد اوقعت القوات المصرية البطلة هزيمة مزلة للكيان الصهيونى المتغطرس. واثبت الجندى المصرى قدرته و تفوقه وتمكنه من التعامل مع الاسلحة الحديثة, كما اثبتت القيادة المصرية انها قوية وقادرة و تمكنت من اعادة بناء جيش وطنى قوى قادر على تحقيق الانتصارات فى فترة زمنية و جيزة. و امتلكت غرفة عمليات القوات المسلحة المصرية زمام المبادرة و ادارة المعركة كما ينبغى و كما تريد.
و بالجملة فأن لهذه الحرب تداعيات طويلة المدى مستمرة حتى الآن و سوف تمتد الى عشرات السنين ايضاً وأهم نتائجها عودة سينا كاملة للسيادة المصرية, لجوء اسرائيل الى التفاوض و المباحثات بعد ان نهارت احلامها فى التفوق العسكرى, ظهور العرب كقوة اقليمية فاعلة بعد استخدامهم سلاح البترول فى مواجهة دول الغرب التى تدعم الكيان الصهيونى الغاصب للاراضى العربية.
و من ذكرياتى وقد كنت طفلاً فى السنوات الاولى من المرحلة الابتدائية لكنى كنت مدركاً بقدر غير قليل ان لدينا صراعاً و حرباً مع عدو غاصب اسمه اسرائيل و كان أهلونا قد زرعوا فينا كراهية هذا الكيان المعتدى , كما ان الاعلام وقتها يفعل نفس الشىء ,وقد كنت فى قريتى البعيدة القابعة على يسار نهر النيل على بعد 700 كم من القاهرة لا نعرف الا الراديو فلم نر الكهرباء بعد كما ان الصحف كانت نادراً ما تصل الينا.
لكننا ومن حكايات عجائز القرية و حديث اباؤنا نعلم اننا يجب ان نحارب هؤلاء الناس و ننتصر عليهم و كان لدينا فى قريتنا من شارك فى حربى56, 67 وكنا نحلق حولهم و نجلس اليهم و نستمع منهم و كنا ننتظر النصر فى حرب قادمة قريبة ربما تنطلق خلال شهور او اعوام وبالرغم من اننا طفالاً الا ان الشعور القومى كان لدينا عالياً جداً و ننتظر بلهفة عودة سيناء الحبيبة و الثأر لشهداء بلادنا.
ومما لا يمكننى نسيانه و اعتبره فخرا لى اننى استمعت الى البيان الاول للقوات المسلحة ساعتها تحلقنا حول الراديو لنستمع و وقد اعيد مرات عديدة و لانه كان يتحدث عن مهاجمة قوات العدو الصهيونى للعين السخنة و الزعفرانة فقد اعترانى زعر و خوف شديدين , الا ان البيانين الثانى و الثالث اعادا لى الطمأنينة و ان كان هناك بعض الحزن على طائرة لم تعد الى قواعدها سالمة, و لكن بعد الرابعة عصرا بقليل استمعنا الى البيان الخامس بصوت الاذاعى الراحل حلمى البلك الذى تضمن تمكن القوات المصرية من عبورقناة السويس و الاستيلاء على نقاط حصينة به ورفعت العلم المصرى على الضفة الشرقية للقناة.. ساعتها كدنا نصاب بالجنون من الفرحة وعلت اصواتنا بالفرحة و أهازيج النصر و التأييد لجيشنا و لرئيسنا السادات فقد تحقق اخيراً النصر على الاعداء, و كانت بقية البيانات التالية تتحدث عن سقوط طائرات العدو وقتلاه و اسر الجنود الاسرائيلين و اعطاب الدبابات و المجنزرات و الآليات العسكرية,, وكم كنت اطير فرحا حينما نسمع المذيع من خلال الراديو بصوته المتهجد المنتصر يقول هنا القاهرة جاءنا الآن من القيادة العامة للقوات المسلحة البيان التالى.... كنا نتحق حول المذياع و نستمع له فى خشوع و كأنما على رؤوسنا الطير.
بالرغم اننى كنت دون العاشرة و لا ادرك او اتذكر الكثير من احداث هذه الحبقة من حياتى.... الا ان ذكريات يوم السادس من اكتوبر و ما تلاها لازلت محفورة فى ذاكرتى ابتداء من البيان الاول و مرورا بكل الاحداث وحتى انتهاء الحرب... انها جزء من طفولتى البعيده و السعيده و التى لا و لن انساها فأنها زكريات المجد.
و قد كان لى الحظ ان ادرك جزءاً مما حدث على الجانب الاخر اقصد لدى عدونا الصهيونى,, فبعد توقيع اتفاقية وقف اطلاق النار و تبادل الاسرى علمت ان ابن خالى احد ابطال حرب اكتوبر قد عاد لتوه من الاسر لدى العدو الصهيونى.. وكنا نتحلق حوله لنستمع ما حدث معه منذ بدء الحرب و حتى سقوطه فى الاسر و الفظائع و الاهوال التى عايشها لدى العدو الصهيونى. و بالرغم من هذا فقد عاد بطلاً قوياً متماسكاً منتصراً فخوراً بما قام به هو وزملاءه من اجل مصر.. و بالطبع كنت انا فخورا به دوماً .. رحمه الله رحمة واسعة فقد انتقل الى الرفيق الاعلى فى شهر رمضان قبل الماضى, و كأنما ارادت السماء ان تستدعيه فى ذكرى جهاده و قتاله للعدو, بعد ان شارك فى ايقاع هزيمة مزلة له.
اما عن الاغانى الوطنية فقد حفظناها عن ظهر قلب ابتداء من انشودة المجموعة بسم الله الله اكبر و مرورا باغانى حليم و فايدة وشادية وورده .... الخ المستغرقة فى الوطنية..حقيقى لا اجد حتى اليوم اعمال فنية فى مستوى هذه الاغنيات بالرغم من انه تمت كتابة كلماتها و تلحينها و ادؤها على عجل لتدرك المناسبة العظيمة.
اعترف وبحق انى حتى اليوم لا استطيع ان امنع نفسى من سماع الاغانى الاكتوبرية الوطنية التى تصف النصر و الانتصار و البطولة و الفداء و لا امنع الدموع من الانساب من مقلتى تعاطفاً وفرحأ بهذه الذكرى الخالده.
أخيراً,,
تحية كبرى لرجالنا و ابطالنا البواسل الذين صنعوا النصر العظيم منهم من ارتقى شهيداً على ارض سينا خلال الحرب و منهم من انتقل الى رحمة الله بعد الحرب و منهم من بقى بيننا حتى الان اطال الله فى اعمارهم فهم النبراس و النموزج الذى نفتخر به و نعتز بهم.