الأحد، 18 أغسطس 2019 03:44 ص
البصمة

البصمة... خبر حصري

مقالات

الكاتبة الجزائرية فاطمة حفيظ تكتب : التوليب الأحمر

البصمة
وقد كان ثمن تلك الرحلة إلى شمال الجزائر باھظا... 7304 دینار جزائري كانت تكفیھ كي یسدد تكالیف زواجھ من "قبایلیة" جمیلة...كان الوقت على تلك الجبال قد أثار مشاعر التاریخ المتجمد...لم یعد الفجر جمیلا كما كان, ھذا الصقیع الذي یرقص حول سعال المسافرین طوال الوقت, لم تسلم ھذه الدیار من زمن احتلال الشتاء... كانت الساعة الخامسة و عشرون دقيقة صباحا, حین طلب السائق من المسافرون النزول للفطور...كان السائق یشعر برغبة ملحة بالتبول...یصبح الأمر مزعجا حین یتجمد الھواء في ھذه السماء البیضاء الداكنة...وجوه المسافرین كانت تبدو كأنھا أحذیة عجوز شمطاء...ھذا الوقت تحدیدا, موعد مناسب لسرقة أمتعة المسافرین فقد نال منھم التعب طوال تلك الطریق...الكل یعلم كیف یستخدم قبضتھ إذا ساءت أحوال العقل و تبادلت العیون زوایا الخطر... وقف بین المسافرین سید یرتدي سترة رمادیة و وجھھ یرتدي السجائر البیضاء من حین إلى آخر...كانت عیناه كالتولیب الأحمر,رغم جمالھما إلا أنھما ناضجتان تماما على نار ھادئة...في الحقیقة, لقد أتى إلى ھنا كي یصطاد الأفضل بین ھؤلاء...لیس ھناك وظیفة أخرى غیر تلك التي تجعلھ ینتقي زبائنھ باحترام...حین تكون لصا ستتعلم كیف تلعب الكرة و كیف تكون محامیا و كیف تكون طبیبا و كیف تكون عبقریا كذلك...كان جسمھ ممشوقا و یافعا جدا عكس نظراتھ تماما...الیوم الاختیار صعب بین ھذه الوجوه الشقیة و المتشابھة... ستكون المحطة القادمة و الأخیرة مقھى " السي الطاھر" یجب أن لا یتمھل في الاختیار لیس ھناك وقت أبدا, فالجماعة قد اجبروه على اختیار وجبة دسمة لان العمل سيء جدا ھذه الأیام...حقائب السیدات أصبحت لا تجدي نفعا و لا تحتويسوى على ھویات ,وصفات الأدویة, احمر شفاه,و نصف مرآة, إضافة إلى 500 دینار...لا جدوى من سماع ذلك الصراخ و النحیب على حقیبة لا تساوي 300 دینارا.... یمكن للص مثلي آن یجازف بسمعتھ و حیاتھ لكن لن یشعر بالذنب أبدا ,الحاجة تجعل العقل یتجاوز نفسھ و یتوجھ دفعة واحدة إلى اخذ ما لم یكن لك و یصبح لك بفضل ﷲ و طول عناء و أمنیات قدیمة... لیس من المعقول العودة إلى البیت فارغ الیدین....سأساعد ذلك الشیخ على التخلص من تلك الطاقة الفانیة قبل وفاتھ...فھو لیس بحاجة إلى المال الآن...نعم نعم...رحلتھ تشارف على النھایة و یجب أن یتحرر من تلك المكاسب التي یصفھا الجمیع بأنھا لیست السعادة أبدا... و قد كان ذلك الشیخ یلبس ساعة من رولكس و بدلة سوداء واسعة المقاس ...فعلا,كانت علیھ أعراض المال الوفیر,بلا شك انھ ترك الكثیر منھ بالبنك و بعضھ بالبیت...لكن ما الذي جعل رجلا ثریا كھذا یستغل حافلة مع العامة ! ھل یبحث عني كما ابحث عنھ یا ترى؟...ربما یقوم برحلة إلى صدیقتھ الصغیرة التي قد تكون طالبة جامعیة تتناول مالھ و تقلب شیخوختھ إلى بعض الشباب الواھي...بعیدا عن زوجتھ التي حفظ المال ھیبتھا و مكانتھا و أصبحت لا تراه سوى عجوزا یحتاج إلى الأكل و النوم الجید...الكثیرات من طالبات الجامعة الجزائریة یجعلن من أنفسھن متنفسا عمیقا لذوي الحیاة الراكدة ...لا باس ببعض المال مقابل ذلك ,إن الحیاة الاقتصادیة صعبة و تحتاج إلى الكثیر من العناء... نھض الشیخ من مقعده و جلس بالمعقد الأخیر,...كانت ھناك الكثیر من المقاعدالشاغرة,لكنھ اختار الجلوس قرب صاحب العینان المصبوغتان بالتولیب الأحمر : -ھل لي بسیجارة ؟...لا تقلق سأعطیك ثمنھا - ھل تدخن "الریم" یا عم؟ كانا ینظران إلى بعضھما بوقار و ھدوء...و اخذ الشیخ یدخن سیجارتھ و الدخان یسكن حاجبیھ الكثیفتین كغیمة مساء یوم من أیام الخریف... - قل لي ماذا افعل؟ لقدت انطفئ كل شيء أحببتھ و بقیت أغازل البنات...لقد رأیت ذلك ..اعلم انك رأیت ذلك... - و لما تحدثني عن ذلك ...افعل ما تشاء. - قد تكون مكرھا على أشیاء مثلي...الرجل یجد شبیھا لھ حین یحتاج شیئا كالسیجارة مثلا ! - ھل تعتقد فعلا انك بحاجة إلى شيء؟ - نعم بحاجة إلى أن أكون شیئا بدون مالي أنا بحاجة كي أتحرر من نفسي و من ما فرضھ علي المال, إن ﷲ یحب الفقراء و یحسن مثواھم ...و ما المال إلا زینة الحیاة الدنیا التي لا تدوم... - أرجوك كف عن ھذا الھراء یا عم... - لا تصدقني یا فتى...لكنك سترى ذلك - قم بنصح نفسك أولا ...ابتعد عني كان یغمره الجنون...لعلھ بدأ بتصدیق تلك الخرافات المتداولة بین العامة و الكل لا یسقط فلسا واحدا من جیبھ و یجعل حیاتھ تھدئ من روع الشقاء...لم تبقى سوى ثوان قلیلة على المحطة الأخیرة و كان الكل مستعدا للنزول للمرةالأخیرة...یبدوا أن محفظتھ قد ضاعت یا ترى أین یمكن أن تكون...ھل قام ذلك الشیخ ب..... اختفى ذلك الشیخ بسرعة البرق بین حشد غفیر من المسافرین و قد وضع خطبة الجمعة مكان المحفظة.
البصمة